أحمد ياسوف

38

دراسات فنيه في القرآن الكريم

لا يتزحزح في تأكيد النظم دون المفردة ، بل ترجّحوا بين المفردة والنظم ، وما يهمنا أن نبحث في جذور هذه الفكرة في بعض كتب الإعجاز المطبوعة لنعطي فكرة عامة عنها . إذا كان كتاب الجاحظ مفقودا ويغلب أنه تضمن سائر وجوه البلاغة أي ما يتصل بالشكل الفني من بديع ومعان وبيان ، فإن ما في كتبه الموجودة يعد شذرات نفيسة حول النظم ، إذ يقول موضّحا غلط الناس في شأن جمال المفردة : « لأن رجلا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة ، لتبيّن له في نظامها ومخرجها ، وفي لفظها وطبعها أنه عاجز عن مثلها . . . وليس ذلك في الحرف والحرفين والكلمة والكلمتين ، ألا ترى أن الناس قد كان يتهيّأ في طبائعهم ، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم : الحمد للّه ، وإن للّه ، وعلى اللّه توكلنا ، وربنا اللّه ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، وهذا كله في القرآن » « 1 » . ولا يريد بكلمة « لفظ » إلا الصياغة الفنية الكلية المتعيّنة في النظم ، وهو ما يدعى في النقد الحديث بالتركيب ، ومن المؤكد أنه يريد بالنظام مفهوم النظم نفسه ، ذلك النسق الذي يربط الكلمات فيما بينها . وهكذا كان الجاحظ أوّل من أولى النظم أهمية ، وأوّل من فرّق بين الشكل والمضمون في الكلام ، ورأى روعة البيان في الصياغة ، لأن المعنى في نظره متوافر لكل شخص ، ولعله تفريق بين ما يدعى بالكتابة الصفر وأدبية الأدب في نقدنا المعاصر ، على الرغم من أنه وقف على جماليات المفردة في مواضع كثيرة من كتابيه « الحيوان » و « البيان والتبيين » كما سنرى لاحقا .

--> ( 1 ) رسائل الجاحظ ، ص 120 .